مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

61

الواضح في علوم القرآن

المثال الثاني : قول اللّه تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ البقرة : 158 ] . من المعروف أن السعي بين الصفا والمروة جزء من شعائر الحج واجب الأداء ، وعبارة ( لا جناح ) في الآية الكريمة لا تفيد الوجوب ، وقد أشكل هذا على عروة بن الزبير فسأل خالته السيدة عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها ، فأفهمته أن نفي الجناح في الآية ليس نفيا للفرضية ، إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين - وهم في مطلع عصر الإيمان - من أن السعي بين الصفا والمروة كان من عمل الجاهلية ، فلقد كان على الصفا صنم يقال له : إساف ، وكان على المروة صنم يقال له : نائلة ، وكان المشركون في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة ويتمسحون بالصنمين . ولقد حطّم الصنمان بعد فتح مكة ، لكن المسلمين تحرّجوا في الطواف بينهما فنزلت الآية « 1 » . 4 - طريقة معرفة أسباب النزول : إن الطريقة الوحيدة لمعرفة أسباب النزول مقصورة على النقل الصحيح ، ولا يحل القول فيها إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها : أ - فإن رويت أسباب النزول عن الصحابة فهي مقبولة ، لأن أقوال الصحابة فيما لا مجال للاجتهاد فيه حكمها حكم المرفوع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن البعيد كل البعد أن يكون الصحابي قد قال ذلك من تلقاء نفسه . ب - وإن رويت أسباب النزول عن تابعي فحكمه أنه لا يقبل إلا إذا صحّ واعتضد بمرسل آخر ، وكان الراوي له من أئمة التفسير الآخذين من الصحابة ؛ كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير .

--> ( 1 ) رواه البخاري في الحج ( 1561 ) ومسلم في الحج ( 1277 ) .